محمد جمال الدين القاسمي
410
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يخبر تعالى عن المشركين في قولهم غير ما نقل عنهم قبل من المقالة الشنعاء ، وكذبهم وبهتهم أن الرسول إنما يعلمه هذا الذي يتلوه من القرآن ، بشر . يعنون رجلا أعجميا كان بين أظهرهم يقرأ في الكتب المتقدمة . ربما يتحدث معه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أحيانا . وإنما لم يصرح باسمه للإيذان بأن مدار خطئهم ليس بنسبته صلوات اللّه عليه إلى التعلم من شخص معين بل من البشر ، كائنا من كان . ثم أشار تعالى وضوح بطلان بهتهم ، بأن لسان الرجل الذي ينسبون إليه التعليم أعجمي غير بيّن . وهذا القرآن الكريم لسان عربي مبين . ذو بيان وفصاحة . ومن أين للأعجمي أن يذوق بلاغة هذا التنزيل ، وما حواه من العلوم ، فضلا أن ينطق به ، فضلا أن يكون معلما له ! وقوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 104 إلى 105 ] إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 105 ) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ تهديد لهم على كفرهم بالقرآن ، بعد ما أماط شبهتهم وردّ طعنهم فيه . وقوله تعالى : إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ ردّ لقولهم إنما أنت مفتر . وقلب للأمر عليهم ، ببيان أنهم هم المفترون لا هو . يعني إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن ، لأنه لا يخاف عقابا يردعه عنه ، وقوله تعالى : وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ إشارة إلى الذين لا يؤمنون ، ويدخل فيهم قريش دخولا أوليا . أي الكاذبون في الحقيقة ونفس الأمر . أو الكاملون فيه . لأنه لا كذب أعظم من تكذيب آياته تعالى ، والطعن فيها بأمثال هاتيك الأباطيل . ولا يخفى ما في الحصر ، بعد القصر ، من العناية بمقامه صلوات اللّه عليه . وقد كان أصدق الناس وأبرّهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا . معروفا بالصدق في قومه ، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يدعى بينهم إلا ب ( الأمين محمد ) . ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم « 1 » أبا سفيان عن تلك المسائل التي سألها ، من صفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كان فيما قال له : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال : لا . فقال هرقل : ما كان ليدع الكذب على الناس ، ويذهب فيكذب على اللّه تعالى .
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : بدء الوحي ، 6 - حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ، والحديث طويل ينبغي الوقوف عليه .